سيد محمد طنطاوي
231
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( اشْمَأَزَّتْ . . ) * أي : نفرت وانقبضت وذعرت ، مأخوذ من الشّمز ، وهو نفور النفس مما تكرهه . قال الإمام الرازي : اعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة للمشركين وهو أنك إذا ذكرت اللَّه وحده . . ظهرت آثار النفرة في وجوههم وقلوبهم ، وإذا ذكرت الأصنام والأوثان ظهرت آثار الفرح . . وذلك يدل على الجهل والحماقة ، لأن ذكر اللَّه رأس السعادة ، وعنوان الخيرات ، وأما ذكر الأصنام فهو رأس الحماقات . . « « 1 » . أي : إنك - أيها الرسول الكريم - إذا ذكرت اللَّه - تعالى - وحده ، ونسبت إليه ما يليق به - سبحانه - من وحدانيته وقدرته . . دون أن تذكر معه الأصنام اشمأزت وانقبضت وذعرت نفوس هؤلاء المشركين الجهلاء ، أما إذا ذكرت آلهتهم سواء أذكرت اللَّه - تعالى - معها أم لم تذكره ، إذا هم يستبشرون ويبتهجون . . والتعبير بالاشمئزاز والاستبشار ، يشعر بأنهم قد بلغوا الغاية في الأمرين ، فهم عند ذكر اللَّه - تعالى - تمتلئ قلوبهم إلى نهايتها غما وهما وانقباضا وذعرا . وعند ذكر أصنامهم تمتلئ قلوبهم إلى نهايتها - أيضا - بهجة وسرورا حتى لتظهر آثار ذلك على بشرتهم . . . وحالهم هذا يدل على أنهم قد بلغوا الغاية - أيضا - في الجهالة والسفاهة والغفلة . . وهذا الذي ذكرته الآية الكريمة من اشمئزاز الكافرين عند ذكر اللَّه - تعالى - واستبشارهم عند ذكر غيره ، نرى ما يشبهه عند كثير من الناس . . فكم من أناس إذا حدثتهم عن ذات اللَّه - تعالى - وصفاته ، وعن سلامة دينه وتشريعاته ، وعن آداب قرآنه وهداياته ، وعن كل ما يتعلق بوجوب تنفيذ أوامره ونواهيه . . انقبضت نفوسهم ، واكفهرت وجوههم ، وتمنوا لو أنك تركت الحديث عن ذلك . أما إذا سمعوا ما يتعلق بالتشريعات والنظم التي هي من صنع البشر - استبشرت نفوسهم ، وابتهجت أساريرهم . . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه وفِي آذانِهِمْ وَقْراً ، وإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَه ، وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 258 . ( 2 ) سورة الإسراء الآية 46 .